فخر الدين الرازي

135

لوامع البينات شرح أسماء الله تعالى والصفات

والمكاشفة كالشئ الّذي يراه الرائي بين النوم واليقظة ، والمشاهدة كالشئ الّذي يراه الرائي حال اليقظة ، ثم كما أن الرؤية في اليقظة يختلف حالها بسبب القرب والبعد ، وصفاء الهواء وظلمته ، وكثرة الموانع وقلتها ، وقوة البصر وضعفه ، فكذا هاهنا . والمثال الثاني : أن المحاضرة تشبه الجلوس على باب عتبة الملك وراء الباب والمكاشفة تشبه دخول الدار ، والمشاهدة تشبه الوقوف في الموضع الّذي لا يكون بينك وبين المطلوب حجاب ، سئل ابن دينار : متى يشهد العارف الحق ؛ فقال إذا تجلى المشاهد ، وفنيت الشواهد ، وبطل الاختصاص ، واضمحل الإخلاص . واعلم أن هذا المقام لما كان في غاية العلو كان الفتور فيه من أعظم الذنوب ، قال عليه الصلاة والسلام : « إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر اللّه في اليوم والليلة سبعين مرة » وفي هذا الحديث وجوه . الأول : المراد منه ما يغشى قلبه من غفلة ، أو يعترضه من فترة بحكم الجبلة البشرية فكان عند ذلك يفزع إلى الاستغفار . والثاني : أنه كان عليه السلام أبدا في الترقي ، فإذا انتقل إلى درجة أخرى نظر إلى الدرجة المنتقل عنها ، فكان يستحقرها في العبودية ، فيستغفر اللّه منها . والثالث : ربما لاح له شيء من جلايا عالم الغيب فيستعظم تلك الدرجة ، ويبتهج بها ، ثم كان يصير استعظامه لها ، وابتهاجه بها شاغلا له عن الاستغراق في خدمة الحق ، وكان يستغفر اللّه منه . الرابع : كلما لاح له شيء من عالم الغيب كان يعلم أن الّذي لاح له إنما لاح بقدر قوته وطاقته ، وكان يعلم أن قدر عقله وطاقته بالنسبة إلى جلال اللّه كالعدم فحينئذ يعلم أن الّذي لاح له من عالم الغيب بالنسبة إلى ما لم يلح له كالعدم بالنسبة للوجود ، فكان يستغفر اللّه من أن يصفه بما يصل إليه قلبه ، وعقله وفكره . وذكره وخاطره .